«لوريس»
للتكنولوجيا ماضٍ غامض؛ لم يعلم أحد إلى الآن متى وكيف ظهر ذلك التقدم، لا أحد يعلم إن كنّا نحن فقط مَن لدينا هذا التقدم التكنولوجي أم أنّ هناك حضارات غابرة كانت أكثر تقدمًا مِمَّا نحن عليه، أو إن كان هناك تقنية قديمة اختفتْ في شريط الزمان، الله وحده يعلم، ولكن ما هو مؤكد أن التكنولوجيا لم تكن وليدة العصر الحديث؛ فـَمِن بطارية بغداد النحاسية أو ما تسمى بـبطارية بلاد ما بين النهرين التي اُكتُشفتْ عام 1936، وأصبح لها أهمية كبرى في عام 1938 عندما انتبه لها مشرف المتحف العراقي، العالم الألماني «ويليم كونيك»، إلى فوانيس الفراعنة الكهربائية، ولغز طائرات شعب المايا الذهبية، ونقوش الحضارة المصرية، إلى أهرامات الكريستال المضيئة في المحيط الأطلسي، تُظهر لنا الأرض لغزًا مِن محيط ألغازها؛ لتكتُب لنا قصة نرويها عن ولادة التقنيات الحديثة.
ولكن بعيدًا عن متى ولدتْ تلكَ التقنية، أو كيف وُجدتْ فلا ننكر أهميتها وفائدتها، ولكن …
- لحظة واحدة!
= ماذا؟!
- ما علاقة العنوان بما تقولين؟!
ستعلم بعد قليل، لنُكمِل الآن، كما قُلت للتكنولوجيا فوائدها، ولكن كما نعلم لا يوجد شيء بهذه الحياة لا يوجد له جانبان؛ فَـبالرغم مِن أنّ التقدم التكنولوجي يُتيح لنا فوائد كثيرة؛ لتيسير أمور الحياة؛ كَـرؤيتكَ لصديقكَ الموجود بقارة أوروبا بِـحُكم عمله، وأنتَ هنا بقارة أفريقيا وتستطيع سماعه ورؤيته كما لو كنتَ معه بنفس المكان، أو كَـتقنية الهيلوجرام التي تسمح لكَ برؤية الأشياء وكأنها موجودة بالفعل أمامكَ، وغيرها الكثير والكثير … هذا هو جانبها المشرق، ولكن هل فكرتَ يومًا بجانبها المظلم؟
فكر بها، منذ عقود ليست بِـبعيدة كان كل ما نحن فيه مِن تقدم ضربًا مِن الخيال، أمّا الآن صار واقعًا نحياه ونعيشه، وكل يوم يأتينا وهو مُحمّل باختراعات جديدة وغريبة، وهذا التقدم السريع لهذه التقنيات مثير للدهشة والريبة بالوقت ذاته؛ تخيل ذلك الإنسان الآلي الذي قام باختراعه البشر يقوم بالتمرد عليهم وجعلهم كَـعبيد له! فيتمرد التلميذ على معلمه وهذا ليس بِـبعيد؛ فقد حدث بالفعل؛ فقد قامت فيسبوك بتجربة على الذكاء الاصطناعي للروبوتات، وبعد فترة وجدوا أنّ الروبوتات قامت بتطوير لغة جديدة خاصة بهم بعيدة تمامًا عن اللغة الأولية التي بدأوا بها التجربة، وقد كانت خطوة منهم؛ لتسهيل التواصل ونقل المعلومات بينهم.
ولن نذهب بِـبعيد؛ فَـفي العام الماضي تحديدًا في الثامن والعشرين مِن أغسطس عام 2020 «تاريخ عليك حفظه جيدًا؛ فَـربما ينقلب العالم رأسًا على عقب فى الآونة المقبلة».
-لِمَ ؟!
لأن رجل الأعمال الكندي الأمريكي «إيلون ماسك» أعلن عن اختراع نجحتْ شركته النيورالينك في الوصول إليه، وهو عبارة عن شريحة بحجم العملة المعدنية صغيرة جدًا، تُزرع داخل رأس الإنسان بِـفتحة صغيرة جدًا تحت الشعر، وتختفي الشريحة تمامًا، وقال أنها ستكون عملية سهلة جدًا وغير مكلفة، حتى أنها مِن الممكن أن تُصنّف مِن ضمن عمليات الرفاهية كَـالتجميل وغيره … والفكرة مِن هذه الشريحة أنّها قادرة على استقبال وترجمة أكثر مِن ألف إشارة للمخ، وهم مسئولون عن وظائف مختلفة للإدراك، وهذا ما سيجعل الإنسان قادرًا على التحكم بالأجهزة عن بُعد بواسطة المخ، وأعلن إيلون ماسك عن نسخة مطورة مِن الشريحة التي تتوصل شعيراتها بالمخ أرفع مِن شعر الإنسان، وأنّ الإنسان بواسطة تلك الشريحة لن يكون قادرًا فقط على التحكم بالأجهزة عن بُعد، أو متابعة وسائل التواصل المختلفة، بل سيكون التحكم بالمخ أسهل، وتستطيع الشريحة مساعدة أو معالجة بعض المشاكل الجسدية؛ كَـفقدان الحواس وأنواع مِن الشلل إلخ … وسَـتُمكّن الإنسان مِن التحكم في الأفكار السلبية، ومراقبة الأنشطة الحيوية اليومية كَـنسبة السكر في الدم وضغط الدم و … ليس ذلك فقط؛ بل يسعى العلماء إلى تطوير تلك الشريحة؛ لجعلها تحفظ الأحلام والأفكار في هيئة ڤيديو يمكن مشاهدته، ولكن السؤال هنا إن حدث ذلك كيف يمكنك التفرقة بين الحقيقة والخيال؟!
أمّا الخصوصية فلا داعي للحديث عنها؛ على الرغم مِن تأكيد إيلون ماسك أن الشريحة ستكون على مستوى عالٍ مِن الأمان والخصوصية، ولكن ما الذي يجعلنا مطمئنين أن الشريحة لن تُخترق؟! وهذا هو أحد الجوانب المظلمة للتكنولوجيا؛ فَـفي عصرنا الحالي أصبحتْ خصوصيتنا في خطر محدق دائمًا؛ بسبب التكنولوجيا أصبح الجميع غير مطمئن، خائف مِن أن يتمّ اختراق هاتفه أو جهازه اللوحي في أي وقت، فَـما بالك إن تمّ اختراق شريحة تتحكم بكَ، وبمشاعركَ، ويعلم تفكيركَ، وأدق التفاصيل؟! سـيعمُّ الخوف والرهبة في نفوس الجميع، سيستغل أصحاب النفوذ هذه الشريحة والبيانات التي أصبح الحصول عليها أسهل مِن ذي قبل، سيستغلونها لصالحهم وصالح أعمالهم.
ما أردتُ قوله أنّ التكنولوجيا لها وجهان، يبدو بظاهرها الجمال والتطور إلّا أنّ استعمالها بالشكل الخاطئ ووقوعها بين أيادي الأشخاص الخاطئين قد يكون هو السمّ الذي يتسبب بدماركَ وقتلكَ، بالمناسبة كان هذا هو سبب التسمية؛ فَـاللوريس هو عبارة عن حيوان يبدو لكَ مِن مظهره الجمال والبراءة، ولكن في الحقيقة....
هو حيوان مُميت.
بقلم الصحفية : آية محمد .
تعليقات
إرسال تعليق
يمكنك ترك رايك فى قسم التعليقات،وعرض أي مقترحات لديك لتطوير كيان إبداع،وترك أي استفسارات .